الاتجاه - متابعة 

بقلم: حسين شريعتمداري

1 ـ قبل 21 عاماً قلت في واحدة من المدونات التي كتبتها للصحيفة؛ "خلال معركة اُحد وحين اشيع خبر شهادة الرسول (ص) على الالسن، اُصيب بعض المؤمنين لهذا الخبر بنكسة روحية هموا بسببها ترك المعركة، فجاء الخطاب الالهي معاتبا "أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم؟" فالتفتوا الى فعلتهم نادمين بان الرسالة باقية وان رحل الرسول (ص) ورحلته صعبه على المؤمنين.

وبالتالي جاء اليوم الذي ليس في معركة اُحد بل بعد سنوات على رحيل الرسول عن الدنيا التي لم يتعلق بها مطلقا، لتعيش الامة مأتمه الى يومنا هذا مرددة "فما اعظم المصيبة بك حيث انقطع عنا الوحي وحيث فقدناك".

وفي ذلك اليوم ساور البعض الذين خسروا بمجيء الاسلام تسلطهم الطبقي على الناس ساورهم فكرة انه برحيل رسول الله(ص) ستزول رسالته، متوهمين وغافلين عن سر اعتصام الامة برسول الله (ص) وهو السر الذي جعل الاسلام خالدا،  فغرقوا في توهمهم بان (من غاب عن الاعين، سيغيب عن القلب)، اذ ان ذكراه واسمه ونهجه ليس لم يغادر شعاع النظر وفلك السمع وحسب بل عجن في القلوب، اذ لم ينبثق من الباصرة حتى يكون برحيله خاليا من القلوب.

وهكذا كان منذ ذلك اليوم والى الان  وبعد ذلك، تعلقت القلوب لمعظم المسلمين بالرسول رغم عدم رؤيته متمسكين بنهجه، فلا يوجد اي ممن هو ذو مشروب روحي، لا تتشبع روحه بعشق الرسول (ص).

2 ـ في تلك الليلة جاء خبر تردي صحة سماحة الامام ـ رضوان الله تعالى عليه ـ ، والحرس الثوري اعلن حالة الاستعداد القصوى، وبلغت القلوب الحناجر، واذبلت الدموع حدقات العيون، رافعين الاكف بالدعاء وغصص البكاء تتقاطع مع حشرجة الدعاء. فكانت مسؤولية متابعة الاخبار لاسيما تقارير الوكالات الاجنبية بعهدتي، وما كان حينها تقنية الموبايل والانترنت وغيرهما من اجهزة التواصل، وانما خطوط هاتف وما تبرقه الوكالات الاجنبية .. فكان ارتباطنا مع الاخوة في حرس الثورة الاسلامية المستقرين في منزل سماحة الامام (ره)، بشكل دائم. فالاخبار مرة ومزعجة.

فالساعة تشير الى العاشرة مساء وعشرين دقيقة التي رحل فيها الامام وحلت الواقعة المؤلمة. فتعالت كلمات من حنجرة احد الاخوة في الحرس الثوري المقيمين في بيت الامام ويجهش بالبكاء قائلا "رحل الامام"... وبعد دقائق تم الاتصال بانه من المقرر ان يذاع خبر رحيل الامام صباح اليوم التالي. وفي اليوم الذي تلاه ـ 14 خرداد ـ وحين اذاع الراديو بان "روح الله التحق ببارئه". وكأنما نفخ في الصور حين هاجت الجموع شيبة وشباناً رجالا ونساءً خارجة للشوارع فلبست ايران السواد.

فأعداء الخارج الذين كانوا لسنوات بانتظار هذا اليوم، اعربوا عن سعادتهم فاعلنت وكالة "اسوشيتدبرس" في تقرير: "نهاية عمر الخميني بمثابة بداية انهيار الجمهورية الاسلامية"!...

تركت محل عملي وتوجهت صوب الشوارع حيث الاجتماع العظيم للشعب الذي يعيش العزاء برحيل الامام. الساعة تشير للحادية عشرة صباحا حين رجعت لمحل عملي وتصفحت التقارير الخبرية... فكانت وكالة "اسوشيتدبرس" نفسها تشير الى الحضور الجماهيري المتلاطم في الازقة والقلوب بعيون باكية، تقول: "الخميني يشرق مجددا بعد غروبه".

3 ـ منذ السنوات الاولى بعد انتصار الثورة الاسلامية كانت بعض المحافل السياسية والمعاهد البحثية الغربية واعتمادا على نظيرية "ماكس وبر" بان زعامة وقيادة سماحة الامام رضوان الله تعالى عليه ـ هي من نوع الزعامة الكارزماتية! فلعبت جاذبيته الشخصية سبب انجذاب وتأثر الشعب به مستنتجين انه برحيل الامام (رضوان الله عليه) ستنهار الاسس التي وضعها وستبقى الذكريات فقط من مرحلة الخميني في تجربة من نوعها المتفرد... بينما في الزعامة الكارزماتية، يبدا خط الجذب من الشعب لتنتهي بالزعيم الذي يتمتع بكارزما خاصة لتقف عنده، وبالضبط لهذا السبب كانت نهاية عمر زعيم بصفته بالكارزماتية لتبدأ تحول الشعب من اسس اتى بها، اذ ان جاذبية الزعيم القائد تتصف بالحالة الشخصية وبعد رحيله تنتهي صلاحية هذه الجاذبية... ولكن في الزعامة الالهية، كقيادة الانبياء والائمة عليهم السلام يكون خط الجذب وان بدا من الشعب وتتجه صوب الزعيم الا انه لا يتوقف عند الزعيم الالهي، اذ ان القائد الالهي يمثل واسطة والمحل الاساس للجذب هو الله تبارك وتعالى، فالزعماء الالهيون يسوقون الناس صوب الله وهكذا حين يموت الرسول فلا تموت الرسالة...

4 ـ وبعد فترة قصيرة من رحيل سماحة الامام (ره) انتقلت الزعامة وإمامة الامة لشخصية كبيرة اخرى سليل رسول الله(ص).

فاشبت الثورة الاسلامية والنظام المنبثق منها في ظل وجود سماحة آية الله الخامنئي احداث كبيرة، ووجهت بمؤامرات مستمرة من قبل الاعداء المعروفين والتيارات الملوثة في الداخل، وفي نفس الوقت تم المسير بخطوات متقدمة نحو  النقطة المطلوبة. فبعض الخطوات كانت اشبه بالمعجزة. في هذه المرحلة تحقق الكثير من ما كان يتوقعه الامام الراحل ويتمناه، بيد خلفه الحاضر، فتحولت ايران الى اكثر الدول اقتدارا في المنطقة ودورها المصيري على المستوى الدولي. فامتدت الثورة الاسلامية كل المنطقة والكثير من المناطق خارج الجو الاقليمي.

فجميع القوى الصغيرة والكبيرة تحالفت لاخراج سورية من لحمة المقاومة، الا ان حكمة سماحة القائد وتدبيره والدفاع المستميت لقوى المقاومة حملت هذا التحالف اندحارا يضرب به المثل. فالثورة في العراق وفلسطين ولبنان واليمن و... تكاثرت وارقت الاعداء بحمل راية ايران الاسلامية. فطرح الاعداء فتنة عام 1999 ومن ثم الفتنة الاميركية الاسرائيلية عام 2009. ورغم الدعم الواضح والشامل لاميركا واسرائيل وبريطانيا وفرنسا و... ووجهت هذه الفتن بزعامة وتدبير وشجاعة يضرب بها المثل لسماحة القائد ليكون مصيرها الفشل.

وتحولت ايران الاسلامية الى اكبر قوة عسكرية في المنطقة وواحدة من اكبر القوى العسكرية في العالم. وتصدرنا في الكثير من المحافل العلمية والتكنولوجية قائمة الدول؛ فبلغنا المرتبة الثانية في التوصل لصنع صمامات القلب في العالم، والثانية في علاج الثلاثسيميا بطريقة زرع مخ العظم، والثالثة عالميا في انتاج ابراج نقل الكهرباء، والعاشرة في تقنية الليزر، والثانية عالميا في انتاج العلاج بالنانو، والرابعة في انتاج الاثانول في العالم، والثالثة في تصنيع السدود، والتاسعة التي تملك الدورة الكاملة للتقنية الفضائية، والثانية التي تملك تقنية انتاج الطائرات المسيرة التي لا ترصدها الرادارات، والرابعة في قدرة الصواريخ في العالم، ومن بين عشر دول تصنع غواصات في العالم، والمنتجة لاسرع غواصات فارة من الرادار وتمتلك منظومة ستراتيجية للاكتفاء الذاتي في انتاج البنزين وخامس دولة في صنع الروبوتات المقلدة للانسان،  ورابع دولة في تقنية المحطات الشمسية في العالم، واول دولة في غرب آسيا في صنع محرك الطائرات ورابع قوة بحرية عالمية، وضمن اربع دول في انتاج لقاح كورونا، وشهد الجميع واعترف بكل وجودهم  بحقيقة ان الخامنئي بمثابة خميني آخر.. الا اننا نمر هذه الايام بعقبة اخرى هي الانتخابات الرئاسية، يعتبر الاقتصاد الحياة التي تعيش بها الدولة، مما تحتاج الى تفصيل نواتيه في وقته.

المصدر: كيهان

 MY